( 28 )
كنت آمل حقـاً أن أتمكن من إيصالها إلى الرقم ( 30 ) , ولكنني لم أتمكن .. لا مشكلة , ما الفرق ؟
لا يوجد فرق , ولكنها شخصيتي الوسواسيـة كما اكتشفت ذلك منـذ زمن , أحب كل شي منسق , نظامي , لا أحب أنصـاف الحلول , أحب أن يكـون كل شيء على أكمل وجـه بلا أخطاء : أحب أن تكون حجرتي دائماً في حالة من الترتيب بطريقة معينة , أحب أن أغسل يدي كـل سـاعة أو أقل , أحب أن أنظف شاشة جوالي كلما اتسخت , أحب أن أنفض كل الغبـار المتراكم في كل مكـان – و إن لم يكن مكان يخصني – أحب أن أرى كل شيء بطريقة متساوية , متعـادلة لا شيء يزيـد أو ينقص عن مثيـله , أحب رائحة المنظفـات تفوح حولي – خصوصاً الديتول – أحب أن أنظر إلى الأكواب بعد غسلها لأتأكد من نظـافتها , أحب اقتنـاء منـاديلي المعقمة الخـاصة في كل مكان أذهب إليه , أحب رؤية المرآة تلمع من شـدة نظافتهـا , أحب أن أعقـم فرشـاة أسناني مرتين كـل أسبوع , أحب تنسيق أدوات ماكيـاجي حسب طريقـة استخدامي لها , أحب أن تكون مرآتي الصغيرة في حقيبة يدي نظيفة و على شكل مربع – تستفزني المرآة البيضاوية – أحب أن يكـون دوماً معـي قلم – ونوعية يوني بول تحديداً – أحب أن أحمل معي قنينـة المـاء خاصتي إن خرجت من المنزل – و أرتعب إن نسيتها ! – أحب كل شيء أن يكـون في مكـانه .. كـل شيء !
و حاليـاً أشعر بضيق لأننـي قررت أن أنهي مذكراتي و أتفرغ لأموري الأخرى , ولكننـي اكتشفت أنها ( 28 ) صفحـة , و ليست ( 29 ) كمـا كنت أظن .. أواسي نفسي بأن الرقم ( 28 ) عدد زوجي لا فـردي .. هذه الفكـرة تريحني قليـلاً ..
ذلك أننـي أكره الأرقـام الفرديـة , أكره الأمور المتجزئـة والتي لا حل لها سوى الكسـور , لا أحب أنصـاف الأمور كما أخبرتكم منـذ قليل .. في الواقـع , أنـا اكره أمور كثيرة : أكره أن أجد الكيبورد غير نظيـف فأضطر لتنظيفه قبل استخدامه – بينما لا يفعل أخي ذلك – أكره الأصوات المكررة , كصـوت غسـالة الملابس مثلاً ! , أكره أن أدخل إلى أي مكـان و أجده غير منظـم , أكره الطريقـة العشوائية في ترتيب أي شيء , كالأواني المنزلية مثلاً , أكره طريقـة خالي في إطفاء سيجارته و نثره لرمـادها في كل مكـان , أكره رؤية لوحـة معلقة على الجـدار بطريقـة مائلة – لا أستطيع تركها هكذا أبداً – أكره صوت قطرات المـاء – أشعر بها داخـل رأسي – أكره أن أضطر إلى لمس أمور أعلم أن الآلاف قبـلي قد لمسوها , كالعربة الموجودة في السوبر ماركت مثلاً , أكره أن أرى ذرات الغبـار وهي تدخـل من النـافذة عندما أقف أمامها في النهـار , الغبـار هو عدوي اللدود في الواقـع ..
أنـا دائماً أحـاول نفض الغبـار عن كل الأمور من حـولي , عن منضدتي , عن طاولة الكمبيوتر , عن الكومدينـو بجانب سريري , عن كتبي , عن كـل الأسطح التي تُظهر التراب ..
و لكننـي تنبهت إلى أمر , لم أحـاول قط نفض الغبـار عن ذاتي ! عن روحي المعلقـة على ” علاّقـة الحيـاة ” , عن ذكرياتي المصلوبة على جدران عقـلي , عن أموري الطفولية المسجونة في الروح , عن أحـلامي القدييييييمة , والتي لم أسع لتحقيقها يوماً , عن الشخوص التي تُمسك بأضلاعي و تصرخ خلف سجنها ” قفصي الصدري ” , لم أفكـر – على الرغـم من هوسي بنفض الغبـار – عن أن أنفض نفسي !
لم يخطر ببـالي أن أقف أمام المرآة محـاولة نفض نفسي من الغبـار , أتصورني سأكون حينها كمـن ينفضوه من طحين سقط عليه و أذهب ملامحـه .. أتخيلني قـد اختنقت من غبـاري الخـاص , و سعلت بشـدة .. أظننـي سأعلق نفسـي و أضربني بالعصـا التي يستخدمونها في تنظيف الأثـاث .. ولكـن , كيف يمكن تنظيـف الذاكـرة ؟
هـذا الأمر الوحيـد الذي سيصعب عليّ نفضـه , و تنظيفـه .. وهـذا الأمر , يسعدني الآن , لأننـي أعلم بأننـي سأبقى معلقة في ذاكرتكم بمذكراتي البسيطة , المكررة أحياناً , الصاخبة , و التـي هي قبـل كل شي , لإنسانة تتمنـى أن يبقى منهـا رمزها , وليس حيـاتها أو اسمهـا .
امتنـاني , لن أتمكن من تصويره على هيئة كلمـات , فاعذروني , و تمنـوا لي دومـاً .. الحظ الطيب , لأننـي حقـاً أحتـاجه J