كـل شيء في حيـاتي قدييييييم , قديم جداً !
حتى أنا !
أردت أن أتخلص من كـل أشيائي القديمة , كلهـا دون أي شعور بالحاجـة العاطفية السخيفة التي نتحجج بهـا لئـلا نلقي بكـل خزعبلاتنـا القديمة في سلة المهمـلات , جمعت جميـع أوراقي القديمة و التي كنت أكتب بهـا بعضاً من خواطري منذ أن كنت طفـلة , جمعـت رسـائل قديمة كنت أكتبها لنفسـي , لأبي , و لعمي زايـد , جمعت دفتر مذكراتي القديـم – احتفظت بالجديد لأنه لازال جديد ! – جمعت بعضاً من حقائبي القديمة و التي فقدت موضتها منذ سنين , جمعت قصاصات أوراق كنت احتفظ بها من صديقاتي القدامى , حتى هاتفي النقـال القديم , أول هاتف نقال حظيت به , أساوري , أقراطي , خواتمي , اكسسوراتي التي لا أستخدمها , بعضاً من ملابسي التي لا ألبسها , نزعت جميع الصور و قصاصات الأوراق المعلقة على جدران حجرتي , أقلامي القديمة و التي أحتفظ بها لأنني أتفاءل بهـا , وجدت بين حاجياتي القديمة ورود جافة , متأكدة بأنني احتفظت بها لسبب ما , لم أتساءل كثيراً , ألقيت بها أيضاً وسط حجرتي بين بقية الأمور المتراكمة , و بعد أن جمعت كل شيء , بدأت بالفرز , وضعت الأوراق مع بعضها , الأشياء القابلة للحرق , الأشياء القابلة للتصدق , الأشياء الغير قابلة إلا للرمي في سلة المهملات , أحضرت صندوقاً و وضعت به جميع الأشياء التي ستُحرق , و قبل أن أبدأ في إشعالها , شعرت أنني بحاجة إلى تدمير شيء مني , من ذاتي , من نفسي , فكرت .. أحضرت مقصاً , قصصت شعري و ألقيت به بينهم , و أضرمت النـار .. وقفت متأملة الحريق الذي تسببت به , و أصبحت أفكر ما الذي لم أحرقه بعد ؟
نظرت في الأدراج و في مكتبتي , وجدت رسائل تهمني كثيراً , وجدت أسورة ذهب أهدتني إياها صديقتي مريم , وجدت ظرف رسائل كتب عليه أبي , وجدت ملف به جميع شهاداتي التي حصلت عليها طيلة حياتي , و بينما أنا أبحث في أنحاء حجرتي كالمجنونة , كانا أمي و أخي يقفان في الحجرة و ينظران إلى حريقي بدهشـة .. جئت بجانب أمي و ضحكت , كنت متعبـة جداً , و ألهث كثيراً .. أمسكت بكتفي فوجدتني أرتعش .. سألني أخي : لمـاذا ؟
قلت : كنت بحاجة لتدمير الأشياء الجميلة في حياتي , أنا الآن بخير .
الجحيـم هوسي الآن .
دانتي يتفنن في جعلي أعيش معـه رحلته إلى الجحيم .. رحلته التي ليس كمثلها رحلة أخرى .. لازلت في الفصل الأول من كوميدياه الإلهيـة , هو يعبر الآن من بوابات الجحيم حتى يصـل إلى المطهر و من ثـم نهاية الرحلة النعيـم , الجنـة أو الفردوس .. ليـلة البـارحة حلمت أنني أسير معـه و مرافقه ” فرجيـل ” كـ روح , طيف أرافقهم دون أن يلاحظوا وجـودي .. رأيت أمور كثيرة مرعبـة , و سمعـت أصوات مخيفـة .. صـراخ و عويـل , الأصـوات التي وصفهـا دانتي كثيراً إلى الآن .. و أثناء رحلتي معهم أصابتني شرارة نـار صغيرة على كتفي , و شعرت بألم عظيـم .. كنت أستنجد بدانتي أو فرجيل لينظروا إلى ألمي , في لحظة ما , نظـر دانتـي صوبي .. و لكنـه لم يراني .. كأنه أستمع إلى صوت لا يعرف مصدره .. ثم تجـاهل الأمر برمته و أكمل مسيرته .. لم أتمكن من الحراك .. الألـم استطال من كتفي حتى بقيـة ذراعي .. كنت أتألـم كثيراً .. حتى أستيقظت .. و كانت كتفي لا تزال تؤلمنـي .. ذلك لأننـي كنت أنـام بطريقـة خاطئة الأمر الذي تسبب بشعوري بالألم .. ضحكت عندما استعدت شعوري بأنني حيـة لم أمت , و لم أعيش رحلة الجحيـم ..
هو مجـرد حلم فقط , لا أكثر .
لأننا مهووسـون بكل شيء ..
و لأن الكتابـة هوس ,
و القراءة هوس ,
و الحيـاة بمجملها هـوس قسـري ..
دون أن ندرك ذلك !
